DezArtPublic Art Agency
المجلة / الهوية الثقافية والفن العام

من الرموز إلى المعنى: لماذا يحتاج الفن العام إلى أكثر من الزخارف التراثية؟

· Read in English

عناصر ألمنيوم هندسية تكوّن تركيب مقرنصات السدو
مقرنصات السدو، للفنانة غدير محمد. إعادة تفسير نسيج السدو في بنية مكانية.

قد تحمل الجدارية خطاً عربياً، أو نباتاً محلياً، أو زخرفة مستوحاة من حرفة تقليدية. لكن حضور الرمز لا يجيب وحده عن سؤال أهم: هل يفهم الناس ما يقوله العمل، وهل يجدون فيه معنى يتصل بالمكان الذي يعيشون فيه؟

هذا هو السؤال الذي تطرحه أبحاث الهوية الثقافية على ممارسات الفن العام في الإمارات والخليج. فمع توسع تكليف الجداريات والمنحوتات والتدخلات الفنية، يصبح من المفيد النظر إلى العلاقة بين معرفة الفنان بالتراث وتجربة الجمهور اليومية، إلى جانب جودة الصورة أو الشكل.

التعرف على الرمز لا يعني فهم قصته

تتناول دراسة نُشرت في أكتوبر 2026 بمشاركة باحثين من جامعة الإمارات العربية المتحدة العلاقات بين الفن العام والتصميم الحضري والتفاعل الرقمي وتصورات الهوية الثقافية. وتعرض نتائج إيجابية في تصورات المشاركين، لكنها تعتمد على استبيان، ولا تثبت أن تركيب عمل فني بعينه يسبب زيادة في الانتماء.

لذلك ينبغي التعامل مع البحث بوصفه مدخلاً للأسئلة، لا وعداً بنتيجة جاهزة. فقد يتعرف شخص على زخرفة مألوفة من دون معرفة أصلها، بينما يعرف آخر قصتها ويختلف مع طريقة تقديمها. وقد يربط طفل الرمز بمعنى يختلف عما يراه أحد كبار السن. نية الفنان مهمة، لكنها ليست القراءة الوحيدة للعمل.

من نقل الزخرفة إلى تفسير المعرفة

يمكن لفنان يستلهم السدو أن يكبّر نمطاً نسيجياً على جدار. ويمكنه أيضاً أن يبحث في عملية النسج، وفي معرفة ممارسي الحرفة، ثم يعيد صياغة تلك العلاقات بمواد أو بنية مكانية معاصرة. لا يعني ذلك أن إحدى الطريقتين صحيحة دائماً؛ بل إن لكل منهما طريقة مختلفة في التواصل مع الجمهور.

يقدم عمل «مقرنصات السدو» للفنانة غدير محمد، كما تصفه متاحف قطر، مثالاً على الجمع بين منطق النسيج وهندسة المقرنصات في تركيب ثلاثي الأبعاد. وتعلن المؤسسة عن عرضه في الدوحة من 5 نوفمبر 2026 إلى 31 يناير 2027. هذه ممارسة جديرة بالتأمل، وليست دليلاً على أثر جماهيري تحقق في المعرض المقبل.

بالنسبة للفنانين في الإمارات، تبدأ الاستفادة من البحث في دلالة العنصر قبل اختيار شكله. من يملك معرفة مباشرة بالحرفة أو القصة؟ ما الذي يمكن مشاركته؟ وكيف تسهم تلك المعرفة في الفكرة والمواد وطريقة الشرح، بدلاً من اقتصار دورها على تزيين السطح؟

المكان جزء من قراءة العمل

تختلف مشاهدة جدارية من سيارة متحركة عن الوقوف أمام عمل في حديقة مظللة. وقد يصبح مجسم في ساحة عامة نقطة لقاء، بينما يكتسب تدخل صغير في ممر للمشاة معنى لدى المستخدمين المعتادين لذلك الطريق.

في أبوظبي، تبدأ ملاءمة الموقع بأسئلة ملموسة: هل يصل الناس إليه سيراً؟ هل يستطيعون التوقف بأمان؟ هل توجد مساحة مريحة بعيداً عن حركة المركبات؟ متى يستخدم المكان، وفي أي فصل؟ وما أثر الحرارة والوهج والإضاءة المسائية في تجربة العمل؟

تساعد الإجابات على تحديد الحجم والمواد وموقع المعلومات التفسيرية وخطة الصيانة. وقد تكشف أن الفكرة تحتاج إلى موقع آخر أو إلى صيغة مؤقتة قبل تنفيذ دائم. ولا يستطيع العمل الفني بمفرده تعويض غياب مسار آمن أو ظل مناسب.

من يستطيع الوصول إلى المعنى؟

يتشارك المساحات العامة مواطنون ومقيمون وزوار وأطفال وكبار سن وأشخاص من أصحاب الهمم. ولا يتعامل الجميع مع الصورة أو النص أو المكان بالطريقة نفسها. لهذا لا ينبغي أن تصبح المعرفة المسبقة بالتراث شرطاً لفهم العمل، أو أن يكون الهاتف الوسيلة الوحيدة للوصول إلى معلوماته الأساسية.

وتناقش دراسة أولية منشورة في مارس 2026 تجارب أشخاص مكفوفين وضعاف بصر مع الفن الحضري. وتشير إلى أهمية السياق الثقافي والوصف الدقيق وتعدد وسائل التفاعل، مع الانتباه إلى السلامة. وهي بحث استكشافي، وليست معياراً معتمداً أو اختباراً يثبت نجاح حل بعينه.

يمكن تطوير نص عربي واضح ومختصر، وإضافة الإنجليزية أو لغات أخرى بحسب مستخدمي الموقع. وقد يفيد سرد صوتي يشارك الفنان في إعداده ومراجعته، أو وسيلة حسية أخرى تُطوّر بالتشاور مع الجمهور المعني. يجب أن تخدم التقنية المعنى، وأن تخضع أي عناصر مادية لمراجعة الوصول والسلامة والعناية المستمرة.

دروس من الممارسة الدولية الواردة في المسح

أعلنت الجهة الثقافية في بوغوتا عن برنامج للفن الحضري يجمع الجداريات والورش والأنشطة في أحياء متعددة خلال سبتمبر وجزء من أكتوبر 2026. وفي سيدني، تطلب دعوة «Art & About» للافتات الشوارع من الفنانين الاستجابة لمجتمعات شارع أكسفورد وثقافته وتاريخه. وقد انتهت فترة التقديم، بينما حُدد العرض بين 12 و25 أكتوبر 2026.

توضح التجربتان جانبين مختلفين من التكليف: ربط الإنتاج الفني بأنشطة المشاركة، وإدخال العلاقة بالمجتمع والمكان ضمن معايير اختيار العمل. لا يثبت إعلان البرنامج وحده تحسناً في الانتماء، لكنه يكشف كيف يمكن تنظيم العلاقة بين الفنان والموقع والجمهور قبل التنفيذ وأثناءه.

يمكن لبرنامج محلي في الخليج أن يجمع البحث الثقافي، وإشراك الفنانين، وورشاً مناسبة، وتفسيراً واضحاً للعمل، وملاحظات لاحقة عن استخدامه. وهذه صيغة مقترحة تحتاج إلى مالك موقع ونطاق عمل وموافقات وموارد محددة، وليست شراكة قائمة أو نتيجة مضمونة.

تمرين عملي للفنانين الناشئين

قبل تطوير مقترحك المقبل، اختر عنصراً واحداً مرتبطاً بالمكان: نباتاً محلياً، أو حرفة، أو ممارسة تاريخية، أو تفصيلاً معمارياً، أو نشاطاً يومياً. ابحث في معناه وتحدث، حيث يكون ذلك مناسباً، مع أشخاص لديهم معرفة مباشرة به.

اكتب ثلاث صيغ قصيرة لشرح الفكرة: لشخص يعرف المرجع الثقافي، ولشخص يراه لأول مرة، ولطفل. ثم اعرض تصورك على عدد محدود من المشاركين الراغبين، واسألهم عما فهموه فعلاً، بدلاً من الاكتفاء بسؤالهم إن كان العمل جميلاً.

سجل مواضع الاتفاق والالتباس والاختلاف، وراجع التصميم أو الشرح بناءً عليها. هذا تمرين لتطوير الفكرة، وليس أداة مثبتة لقياس أثر الفن العام. وإذا استُخدمت نتائجه في تقرير، فيجب توضيح حجم المشاركة وظروفها وحدود الاستنتاج.

نحو تكليف فني أكثر ارتباطاً بالناس

تحتاج الجداريات وأعمال الفن العام ذات المرجع الثقافي إلى بحث يتجاوز الصورة، وإلى ظروف تسمح بمشاهدتها وفهمها. بالنسبة للفنان، يعني ذلك تعميق المعرفة بالمصدر. وللجهة الثقافية، يعني توفير فرص للتفسير والتعلم والمشاركة. وللبلدية أو المطور، يعني السؤال عمن يخدمه العمل، ولماذا يناسب موقعه، وكيف ستُتابع تجربته بعد الافتتاح.

تربط DezArt هذه الأسئلة بمراحل تخطيط الفن العام وإشراك الفنانين والإنتاج والتنفيذ في الإمارات. والهدف هو تطوير قرارات فنية أكثر وعياً بالمكان وجمهوره، وبرامج يمكن التعلم منها وتحسينها مع مرور الوقت.

المصادر

  1. UAE cultural identity study / دراسة الهوية الثقافية في الإمارات
  2. Qatar Museums: Muqarnas of Sadu / متاحف قطر: مقرنصات السدو
  3. Unseen City Canvases: research preprint / بحث أولي عن إتاحة الفن الحضري
  4. Bogotá: urban-art circuit / بوغوتا: برنامج الفن الحضري
  5. City of Sydney: Art & About banner brief / سيدني: دعوة لافتات الشوارع

مصدر الصورة

مقرنصات السدو، غدير محمد. مصدر الصورة: متاحف قطر.

العودة إلى المجلة